العلامة المجلسي

157

بحار الأنوار

فكأنهم في ارتجال الصفة صرعى سبات ، جيران لا يتأنسون وأحباء لا يتزاورون ، بليت بينهم عرى التعارف ، وانقطعت منهم أسباب الإخاء ، فكلهم وحيد ، وهم جميع وبجانب الهجر وهم أخلاء ، لا يتعارفون لليل صباحا ، ولا لنهار مساء أي الجديدين ظعنوا فيه كان عليهم سرمدا . شاهدوا من أخطار دارهم أفظع مما خافوا ، ورأوا من آياتها أعظم مما قدروا فكلا الغايتين مدت لهم إلى مباءة فأتت مبالغ الخوف والرجاء ، فلو كانوا ينطقون بها ، لعيوا بصفة ما شاهدوا وما عاينوا . ولئن عميت آثارهم ، وانقطعت أخبارهم ، لقد رجعت فيهم أبصار العبر ، وسمعت عنهم آذان العقول ، وتكلموا من غير جهات النطق ، فقالوا كلحت الوجوه النواضر ، وخوت الأجساد النواعم ، ولبسنا أهدام البلاء ، وتكاءدنا ضيق المضجع وتوارثنا الوحشة ، وتهكمت علينا الربوع الصموت ، فانمحت محاسن أجسادنا وتنكرت معارف صورنا ، وطالت في مساكن الوحشة إقامتنا ، ولم نجد من كرب فرجا ولا من ضيق متسعا . فلو مثلتهم بعقلك ، أو كشف عنهم محجوب الغطاء لك ، وقد ارتسخت أسماعهم بالهوام فاستكت ، واكتحلت أبصارهم بالتراب فخسفت ، وتقطعت الألسنة في أفواههم بعد ذلاقتها ، وهمدت القلوب في صدرهم بعد يقظتها ، وعاث في كل جارحة منهم جديد بلى سمجها ، وسهل طرق الآفة إليها مستسلمات ، فلا أيد تدفع ، ولا قلوب تجزع ، لرأيت أشجان قلوب ، وأقذاء عيون ، لهم من كل فظاعة صفة حال لا تنتقل وغمرة لا تنجلي . وكم أكلت الأرض من عزيز جسد ، وأنيق لون ، كان في الدنيا غذي ترف ، وربيب شرف يتعلل بالسرور في ساعة حزنه ، ويفزع إلى السلوة إن مصيبة نزلت به ، ضنا بغضارة عيشه ، وشحاحة بلهوه ولعبه . فبينا هو يضحك إلى الدنيا وتضحك إليه ، في ظل عيش غفول ، إذ وطئ الدهر به حسكه ، ونقضت الأيام قواه ، ونظرت إليه الحتوف من كثب فخالطه بث